وفد تحالف الاقليات العراقية يلتقي حكومة كردستان



 لم تحظى مشكلة المكوّنات قليلة العدد "الأقليات"، في العديد من دول المنطقة باهتمام مذكور بسبب الظلم المجحف للحكومات المتعاقبة عليها ومحاولات تذويبها قسرًا وكذلك بسبب غياب الوعي الوطني والجهل بالحقوق، إلاّ فيما كانت توجه به لإكمال ما مطلوب منها من واجبات وطنية ملزِمة، حتى لو كانت هذ الأخيرة أحيانًا، بالضدّ من إرادتها ورغبتها. وجاء الغزو الأميركي الكاسح للعراق، وهو أهم موطن لأقليات عاشت تقليديًا، تاريخًا مشتركًا مع بعضها البعض دون هواجس أو مشاكل كبيرة، إلاّ ما ندر. هذا الغزو الأممي الظالم، قلب موازين المعادلة في عراق متعدد الأعراق والأديان والأقوام والطوائف، بحيث أفسد بنية المجتمع العراقي المجتمعية ونقله إلى خانة الطائفية المقيتة التي اتخذت من شعارات دينية جديدة لم يألفها من قبل، بسبب غرابة بعضها وأسلوب تحريض بعضها الآخر ضدّ فرقاء آخرين متشاركين معهم في تاريخِ وطنٍ موغلٍ في القدم. ونحن نحمد الله، لأن ما حدث في العراق، لو حصل في بلد آخر لا يمتلك مثل تاريخ العراق الحضاري، لانهار منذ بدء الأحداث وتتدحرج نحو الهاوية وتجزّأ دون شك رغم بروز محاولات من هذا القبيل. لكن إرادة العراقيين من الوطنيين والغيارى من شعب العراق، سوف لن يدعوا مثل هذه الفرص أن تجد طريقها في المشروع الانفصالي المطروح، نتيجة الخلل القائم في إدارة البلاد والخلاف حول من يجب أن تكون في أيديه مفاتيح الحلّ والربط داخليًا وإقليميُا. وإذا كان الأحرار الوطنيون من أبناء العراق، والسياسيون المخلصون منهم بخاصة، يعوّلون في النهاية، على تغليب المصلحة الوطنية العليا واختيارهم وحدة العراق ورفاهته وسمعته التاريخية والحضارية، فإن السبب في ذلك، يعود لقدرة أبنائه على البناء السريع لما أصابه من عطب وتراجع ودمار، وكذا على فاعليتهم في مواجهة الصعاب مهما اشتدّت وتفاقمت الأحداث، برغم الهوّة الأخيرة التي سادت مجتمعنا في فترات عصيبة كانت الأكثر قساوة على عموم الشعب. فما زال في عراقنا نزرٌ وافٍ من روح الأجداد ومِن حكمتهم التي عُرفوا بها، في بناء حضارات الشرق التي سادت العالم القديم، ولم تبِد حينها، إلاّ بسبب تقاعس نفرٍ من رجالاتها وخروجهم عن قافلة نظام بناة الأوطان التي كانت تتطلب من جملة ما تتطلبه بعد كلّ نجاح تحقق لهم، روحَ المثابرة والتواصل والمجالدة والرصانة في حفظ ما تمّ إنجازه بروح المواطنة المطلوبة والتشاركية والتجاوب سحابة تلك المراحل والأزمنة.
أما ما حصل فيما بعد في المنطقة، مغبّة تجربة العراق في 2003، مع ما يسمّى بالربيع العربي (رغم تحفظ الكثيرين ومنهم أنا شخصيًا، على هذه التسمية غير الدقيقة)، فلم يكن في الحسبان، عندما استقدم المحرّك الأممي الرئيسي الظالم، الذي قاد ورعى مجمل التغييرات في المنطقة بشيء من الغرابة والعنجهية والازدراء واللامبالاة للفيف شعوب المنطقة، أقول، عندما استقدم واجهاتٍ جديدة له تحمل بصمات التطرف والتشدد إلى جانب عكسها نزعات عدائية وشوفينية واستعلائية ضدّ مكونات أصيلة في مجتمعاتها (أي الأقليات). وعمومًا، فقد تصرّف الراعي الأكبر للتغييرات الدراماتيكية سواءً في العراق عام 2003، أو من بعده فيما يسمّى بالربيع العربي المنوه عنه، بشيء من اللامبالاة والتغاضي القائم من الحكومات التي استقدمها وغضّ الطرف عن فعالها، إن لم يكن قد نصرها ضدّ الأقليات الدينية والعرقية الأصيلة في نسيج شعوب المنطقة. والدليل على ذلك، عدم إنصافها فيما أتى به أو روّج له أو ساهم في وضعه من دساتير وقوانين وضعت مصالح دينية طائفية وكتل سياسية كبيرة متناحرة على المال والجاه والسلطة في المقام الأول والأخير، فيما أهمل باقي المكوّنات الصغيرة نسبيًا وجعلها لقمة سائغة في أيدي من أتى بهم إلى حكم بلدانهم بالطريقة المعروفة التي وصلوا أو سيصلون بها.
وإذا كانت بعض البلدان التي تشهد اليوم حراكً سياسيًا ساخنًا، ضمن منظور تغيير أنظمة حكم حكمت شموليًا على أساس طائفي أو عرقي، قد كشفت عن حصول تداعيات خطيرة في خضمّ موجة "الربيع العربي" لغاية الساعة، فإن من حق الأقليات التي تعيش فيها، أن تقلق وتتحفظ على القادم الجديد، غير المعروف سياسته، تمامًا كما كانت قبلها تتحفظ على أنظمة الحكم القديمة الشمولية المتهالكة. والخوف هنا أكبر، لأن القادم الجديد جاء بفورة عارمة من السفاهة والبلطجة المرافقة أحيانًا لفتاوى غريبة وعجيبة، أصدرها الحاكم "القادم الجديد"، فارضًا نفسه وقيمه ودينه ومذهبه وأيديولوجيته على مجتمعات طالما نشدت شيئًا من رياح الحرية والديمقراطية والتغيير التي طال انتظارها لها، حين أقدمت على القيام بثوراتها الشبابية واضحة الأهداف والرؤى. لكن الذي حصل ويحصل، أن تلك الثورات قد تم استلابها وسرقتها من فاعليها وثوارها الحقيقيين من الذين قدموا تضحيات كبيرة على مذابح الحرية والكرامة والشرف الوطني. وقد ذهب البعض لوصف من يريد الاستئثار بثمار هذه الثورات بمجموعة "شياطين طائفية" يمكن لها أن تهدّد البلاد والعباد على السواء. والخوف الأكبر، أن تكون الأقليات الضعيفة في نهاية المطاف، حطبًا لنيران صراعات الأقوياء المتحاربين بلا هوادة ولا وازع من ضمير. ولعلّ الفكرة التي غرسها وسوّقها المحتلّ الأميركي حين دعوته للسياسيين العراقيين الجدد مثلاً،، لكتابة الدستور بعد أحداث 2003 بنَفَسٍ طائفي مليء بالألغام الموقوتة القابلة للتفجير في أية لحظة، لهي خيرُ مثالٍ لمخططاته بدقّ أسفين بين مختلف الشعوب والمكوّنات في البلد الواحد، إذ هي ترتكز في صياغتها على ذات الأسس التي سوّقها وما يزال نحو البلدان التي شملها التغيير "الربيعي" لحدّ اليوم من خلال القرع على الوتر الطائفي الهدّام الذي جزّأ مجتمعات الوطن الواحد وأحلّ الوازع الطائفي بدل الوطني. فما شهده العراق بسبب هذا التوجه الجديد من مذابح واقتتال الإخوة الأعداء الشركاء لغاية الساعة، خير دليلٍ على النتائج المدمّرة التي أرجعت البلاد ونهجه إلى عهود التخلّف والظلام بسبب اختلال توازن نسيجه الاجتماعي بطريقة مؤسفة تحكّم بها أناس يريدون العودة ببلدانهم وشعوبهم إلى عصور الظلام والتخلف والقهر المجتمعي الذكوري، حيث لا مكانة للمرأة فيه، رغم كونها الزهرة التي تتفتح بها حدائق الشعوب والأمم وتتعطّر بها أجواء أيّ مجتمع تحلّ فيه ضيفة أو تدخل عليه عاملة أو تؤدي فيه وظيفة.
أما الحلول المطروحة اليوم، للتخلّص من أدران النعرة الطائفية المنتشرة كالسرطان القاتل في الجسد العراقي بخاصة والعربي عامة، فهي تكمن في الاعتراف بانتهاج مبدأ المواطنة بدل الطائفية في مؤسسات الدولة الناقصة البناء لغاية الساعة، وفي الاعتراف بسيادة القانون الذي ينبغي أن يسري على الجميع دون استثناء، وفي القبول بمبدأ ثقافة قبول الرأي والرأي الآخر، وعدم سلب حقوق المواطنة والحريات الشخصية وحرية التعبير وحرية الدين والتديّن، وفي الاعتراف الواضح والرصين بمبدأ التعددية السياسية، وفي نقل السلطة السلمي، وفي تحقيق برامج التنمية المستدامة، إذا ما أريد فعلاً، نجاح أية عملية سياسية يُراد بها بناء البلد وتطويره وتقدمه. ففي العراق، تلكم هي التحديات الكبرى التي تنتظر الساسة ويترقبها المواطن من ممثلي الشعب ومن الحكومة التي انبثقت منه، ولم تستطع الإيفاء بتعهداتها في خلق مجتمع عراقي مرفّهٍ متجانس، ودولة مدنية اتحادية حديثة ترتكز على التعددية والديمقراطية وأساسها العدل والمساواة، كما هو مطلوب. وبغير ذلك، لن تستقيم مسيرة العراق، ولا بلدان المنطقة، إن لم تعمل حكوماتها على تغيير سياساتها المبنية على زيف العنصر الديني الذي يحنّ لحكم ثيوقراطي لم يعد له صالحٌ ولا مبرّر ولا قبول في عصر العلم والتقدم والتكنلوجيا المتطورة. فالدين يبقى لله والوطن للجميع، كما نعلم. ثمّ إنّ الأمم الجادّة والسعيدة تتقدم ولا ترجع للوراء، إن اتسم رعاتُها وحكّامها بشيء يسيرٍ من النزاهة والتسامي عن المصالح الضيقة ومحبة الناس وتلبية حاجاتهم اليومية الآدمية. فمن وضع يده على المحراث، لا ينبغي له التراجع والتقهقر للوراء بتغليبه المنافع الشخصية أو الطائفية أو العرقية الضيقة، بل هو مدعوٌّ للتقدم نحو الأمام، بنشر الأمن والأمان والاستقرار وخدمة كلّ الشعب وليس جزأه، وفي خلق فرص للسلام مع الله الخالق ومع النفس ومع المواطن، مع الشعب الذي ولاّه ليدير شؤون البلد بما يرضي الله والضمير. وبذلك تستطيع الشعوب جميعًا من العيش حياة الكرامة التي أرادها لها الخالق حين خلقها، أي حياةً تليق بخالقها. قيل ويُقالُ دائمًا: "سعادة أية دولة وتطوّرها تكمن في رؤية شعوبها ومجتمعاتها، ولاسيّما الأقليات فيها سعيدة، مرفهة ومطمئنّة وتنعم بالأمن والخدمات"، حينما يرفل جميع المواطنين بكامل الحقوق المواطنية دون تمييز في العرق أو الدين أو المذهب أو القومية أو اللون وما إلى ذلك.
إن الهواجس أعلاه، التي تشكل رأس الحربة في مسيرة أي بلد ديمقراطي، ستكون بمثابة صحوة مواطنية عامة، فيما لو تحققت آمالها في البلدان التي شهدت ما يسمى "بالربيع العربي" والتي سبقهم فيها العراق منذ ما يقرب من عقد ونيّفٍ من الزمان. وهي ذاتها التي تنتظرها شعوب المنطقة في صحوتها التي ينبغي أن ترتكز على رهافة حس وطني صادق وعلى إنصاف اجتماعي قائم على مبدأ سيادة الحق والعدل. فالعدلُ، يبقى أساس الملك، في بناء مجتمع متكامل تسوده المحبة والحرية والتسامح في إطار نظام ديمقراطي ينتصر كليًا، بتفاصيل هذا العدل عينه، لمبدأ الحقوق والواجبات في أي مجتمع متحضّر. إن خوف الأقليات، لاسيّما الدينية منها والعرقية، يكمن اليوم في كونها تقع في مرمى صراع تيار الإسلام السياسي السنّي – الشيعي المتنامي يومًا بعد آخر، بسبب أفكاره الإقصائية المعلنة على الملأ، ما أحدث توترات إقليمية زادت من وطأة تلك الهواجس أضعافًا. وكذا بسبب الخوف المتنامي من وقوعها بين ناري هاتين الحجرتين الطاحنتين اللتين لا ترحمان من يختلف عنهما في النظام والأيديولوجية والدين على السواء. فصعود التيارات الإسلامية إلى حكم بعض دول المنطقة، يعني ضياع تلك البلدان في عالم المجهول والنزول بها إلى دركات التخلّف التي شهدتها عصور القرون الوسطى حيث سطوة الثيوقراط التي لا ترحم ولا تعترف بشيء اسمُه تطور الحياة. كما أن الحرية والديمقراطية مفهومان غائبان في قواميس هذه التيارات المغالية في سلفيتها أو في تشيّعها على السواء. والأمل الوحيد الذي تنتظره أقليات المنطقة الساخنة هو في ضمان اللجوء إلى دولة مدنية تُحترم فيها سيادة القانون، كما أسلفنا، وهو الوحيد الذي يؤمّن حقوقًا مدنية واجبة التطبيق للجميع ودون استثناء من خلال الارتكاز على مبدأ المواطنة داخل الدولة الواحدة التي عليها الاعتراف بحقوق الجميع وأن تتمسك بالحريات العامة في سياساتها وأن تعي أهمية التعددية والجمالية التي تشكلها الأقليات وسط سائر المكوّنات. ولن يحصل ذلك إلاّ في ضوء هذه الصحوة العربية السليمة المرتقبة التي تؤسّس لدولة الحداثة والعصرنة وتؤمن بحرية الشعوب والأفراد وتدع وراءها ما شاب أفكار أفرادها من تراجع في القيم الديمقراطية وفي الحريات العامة وفي الحق في إبداء الرأي، مهما اختلف المقابل عنه في الفكر وفي الدين وفي المذهب وفي الأيديولوجية.
وهكذا، يكون العراق قد بدأ الصحوة الحقيقية عندما أدرك وانتبه لفشل مشروع الدولة الدينية التي أرادها وصفقت لها بعض الجهات المغرضة والمغالية. وتلكم هي الخطوة الأولى في بناء دولة مدنية حديثة مرفهة قائمة على أسس المواطنة، لا غيرها. وفي انتظار الخطوة المهمة والحاسمة القادمة، عندما يعود السياسيون إلى رشدهم ليضعوا حدّا لتجاذباتهم السياسية المنتفعة ويؤثروا مصلحة الوطن والمواطن الذي انتخبهم وأوصلهم إلى الحكم، لكنه خُذل بسبب لهاث غالبية من وصل إلى الحكم وراء منافع شخصية وطائفية وعرقية. كما أن انغماس الكثيرين من هؤلاء في أعمال فساد مالي وإداري وعدم قدرة الدولة والحكومة عل صدّ هذه الممارسات والمخالفات، قد ساهم بشكل كبير في نخر جميع مؤسسات الدولة، ما جعلها عاجزة عن تلبية حاجة المواطن الذي مازال يئنّ ويشكو ويطالب بحقه في حياة كريمة مرفهة في بلد يسبح على محيط من الذهب الأسود وغيرها من المعادن الثمينة.
عسى الأيام القادمة، تشهد هذه الصحوة المرتجاة!

لويس إقليمس
بغداد، في 1 حزيران 2012