ديمقراطيتنا في الشرق، كيف تعمل؟



كما تعلّمُنا أمهات القواميس والكتب، أن كلمة الديمقراطية مأخوذة من أصلها اليوناني، وهي مشتقة من كلمتين: عامة الشعب Demos = والحكم = Kratia، مكوِّنةً الكلمة المعروفة Democratia التي تعني "حكم الشعب لنفسه".(موقع ويكبيديا)
تطبيقات متغايرة:
تتغير تطبيقات مبادئ الديمقراطية من منطقة لأخرى ومن بلدٍ لآخر، ومن تنظيم لآخر، بحسب التوجهات والآراء والتفاسير والنظريات التي كثرت رغم بساطة الفهم التعبيري والتطبيقي لهذا المفهوم. فالتأويلات التي تعاقبت وتكاثرت وتناقضت حول هذا المفهوم، كادت تُخرجها من خانتها الأصلية في الحفاظ على سلوكيات المجتمعات المتحررة وفي حماية الشعوب التي تتعامل بها وتعشقها في حياتها اليومية، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية. فكلُّ شيء في الحياة يخضع لهذا المصطلح الذي به يتغنى كلٌ على هواه في تطبيقه وفي فهمه، بعد أن أصبح محورَ الحياة بلا منازع، سواء في تطبيقاتها الصحيحة أم في التباري المشوّه والزائغ عن حقيقة فهمها الصحيح. وبالرغم من أن هذا المفهوم في الحكم المتحضّر والمعاصر قد منح متبنّيه فضاءات واسعة في تطبيقاته المتعددة، ومنها سلوك حكم الأكثرية في ضوء النتائج الانتخابية التي تؤهله للحكم، إلاّ أنه لا يعني بأية حالٍ من الأحوال، التفرّد بالسلطة بمعنى إنشاء دكتاتورية الحزب الفائز أو المذهب الحائز على أصوات الأكثرية. في حين هناك دول متحضرة قد انتهجت سلوك ما يُسمى ب"الديمقراطية الليبرالية" التي تؤّمِّن بها حماية حقوق كافة المواطنين المشمولين والساكنين على أراضيها دون تمييز وعلى أساس الشراكة، بمن فيهم المكوّنات القليلة العدد أي الأقليات، والجاليات المتكونة فيها جرّاء عمليات الهجرة المتكررة، أو بسبب مواقف إنسانية جعلت من المهاجرين الغرباء أو من طالبي اللجوء الإنساني إليها جماعاتٍ لها ثقلُها على الأرض الجديدة، من حيث تمتُعها بكافة الحقوق والواجبات المتكافئة. ولكن برأيي المتواضع، مهما وصل تطبيق هذا المفهوم من رفعة وسموّ، فهو لن يصل أبدًا، ما عناه مستنبطُه الأول في فكره الأساس.
لن أدخل في تفاصيل هذا المفهوم البسيط والمعقّد في آنٍ معًا، لأنه ليس من اختصاصي. لكن، ما جعلني أخوض فيه، تلك التناقضات في التأويلات التي تصل إلينا من خلال اللقاءات على الفضائيات أو ما نقرأه ونتصفحه على المواقع الالكترونية التي حفلت بتفاسير عجيبة غريبة عن هذا المفهوم ومعانيه وعن طريقة تطبيقه وفقًا لتأويلات تختلط فيها أحيانًا السلوكيات الفردية والمناهج الدينية والمذهبية والمناطقية والإثنية وحتى العشائرية والقبلية بحسب مجتمعاتها وتكويناتها المتباينة. وخير التطبيقات المقبولة لهذا المفهوم في يومنا هذا، عندما يحتمل هذا المبدأ ويقبل شكلاً من التوازن بكلّ أشكاله في الحياة اليومية للجهة الحاكمة، حين لا يتم استبعاد الخاسر وموالوه من صميم الحياة السياسية. ذلك لأن العملية السياسية سلسلة متواصلة من مسارات لا تنقطع أو تتوقف، إلاّ من حيث تغيير السياسة في منهج الحكم وفي أدواته وكيفية تنفيذ صفحات برامج الجهة الفائزة. والمنطق الذي يقوم عليه مفهوم الديمقراطية أيضًا، لا يعطي الحق للفائز بالأكثرية، أن يلغي الآخر الذي لم يسعفه الحظ، بالفوز أو ببساطة أن ينهي فصولَ حياة منافسه السياسية. بالمقابل، عندما يفوز طرفٌ على غيره في انتخابات "ديمقراطية" حتى لو حامت حولها شبهات التزوير، فهذا ليس مدعاة لخصومة أو حصول نزاع يثير الفتنة ويشعل قتالاً بين الطرفين المتنافسين، الفائز والخاسر معًا والموالين لكليهما، طالما أن مبدأ الديمقراطية باقٍ ومتفق عيله من قبل الجميع دون تخوين الآخر أو إلغائه. كما على الطرف الخاسر أن يحاول قبول الخسارة بروح رياضية وأن يسعى لشحذ همم فريقه بمراقبة أداء حكم الفائز والاستعداد لخلافته في الدورات القادمة، بالاستفادة من مواقع فشل الجهة الحاكمة هذه أو قصور أدائها مع تقادم الحكم، أو إذا لم تتوفق في تسيير شؤون البلد بمهنية وقدرة واعية على قيادة دفته بحنكة وحكمة ودراية وافية. فالفرصة قادمة للخاسر أيضًا، لا محالَ، إذا التزمت كافة الأطراف بهذا النهج وتم ترصينه وترسيخه في ثقافة المجتمع. بمعنى آخر، أن التنافس السياسي بين الأحزاب والكتل، لا يفترض بها أن تتحول إلى صراعات ثنائية واتهامات متبادلة. وكي لا ننسى، أن الانتخابات ليست دومًا محكًّا أكيدًا لتسمية هذا البلد أو ذاك بالبلد الديمقراطي، وذلك بسبب تنصل الفائز في أحيانٍ كثيرة من التزاماته الأخلاقية وحبه التربع على عرش الحكم ما طاب وحلا له حين وصوله إلى السلطة. وهذا ديدنُ السياسيين في الشرق العربي بخاصة، وهذا أيضًا ما تخشاه شعوب المنطقة ومعها نحن أيضًا في العراق، من خطورة انزلاق السياسيين وراء مثل هذا النهج غير الحضاري. وجزءٌ من مشاكل السياسيين في العراق اليوم، يقوم أساسًا على الخوف من انتهاج هذا السلوك.
لماذا رفضُ مبدأ الديمقراطية؟
في بلدان متخلفة في مجتمعاتها عن الركب العالمي المتحضّر، كمنطقة الشرق الأوسط عامة ومنها في العراق، لا يمكن لمثل هذه البلدان أن تطبق مفهوم الديمقراطية بشكلها الصحيح. والسبب يكمن في طبيعة التكوّن الاجتماعي و التسلط الديني و شيوع العرف العشائري والقبلي، وكذا بسبب الخشية من تطبيق أيّ شيءٍ من جزئيات هذا المفهوم وما قد يترتب على ذلك من مخاطر ومهالك من جانب جهاتٍ متنفذة غير واعية أومن مرجعيات دينية لا تقرّ بقبول شيء اسمه" الديمقراطية" في حياة مجتمعاتها، بحجج واهية منها كونها تجلب المفاسد والفوضى والانفلات، متناسين محاسنها ومفاعيلها في تطوير المجتمعات واستقرارها بسبب من ترسيخها للاستقرار السياسي والاقتصادي وما تفرضه من رقابة على أداء مؤسسات الدولة من الطرف الآخر أي المعارضة. لكن، بحسب بعض الشيوخ والسادة من رجال الدين المسلمين، لا يمكن للإسلام والديمقراطية أن يلتقيا، بل هما يسيران في خطٍ متوازٍ لا مجال للقائهما البتة. وقد قالها على الملأ، صراحة وبكل جرأة متنورون ومثقفون ورجالات دين ودولة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر كلّ من السيدين المتنورَين أياد جمال الدين وأحمد القبانجي وغيرهما كثيرون. وتُعدّ المواقف المتشددة والرافضة لهذا المبدأ من أساسه، ظاهرة قائمة لا يمكن تجاهلُها، رغم خطورتها على الفرد والمجتمع. فقد طغى ذات الفكر الرافض لهذا المفهوم، حتى على صعيد المؤسسة التشريعية التي تقف اليوم عاجزة عن الردّ أمام المطالبة بتطبيقات شذراتٍ من مبادئ الديمقراطية الوليدة التي صدّرها الغازي الأمريكي ومعه المتحالفون معه من الدول الأوربية. بل إن لغز الخلاف بين المشرّعين يبدأ من البنود الأولى في دستور البلاد الجديد المقرّ في 2005، حيث يجعل من الدين الإسلامي، المصدر الأساس والرئيس له. وهذا وحده كافٍ للحكم على ديمقراطيتنا بالقصور والفشل في أساسها، لأن هذه البنود تضع حدّا لكلِّ ما قد يتناقض أو يتعارض مع أحكام الشريعة، من وجهة نظر دينية صرفة. فما نراه في حياتنا اليومية لا يعدو كونه قشورًا للدعاية، ليس إلاّ. إذن، أين الديمقراطية التي نتبجّح بها من خلال تصفيقنا للمحتلّ الذي نقلنا من حكم دكتاتوري للحزب الواحد والقائد الأوحد، إلى حكم يئنّ تحته الشعب المغلوبُ على أمره تحت حكم ديني إسلاموي واضح؟ فهل نترقب تصحيحًا في سياق هذا المفهوم لينشلنا من نير سلطة تحتكم بأمر المرجعيات في السير قُدُمًا نحو أسلمة المجتمع؟ لكي نعلم، أن مثل هذا النظام، في جزئياتٍ كبيرة منه سائدًا في العصور الوسطى في أوربا، لغاية أن انتفض الشعب على حكامه المؤتمرين بأمر المراجع الكنسية المتسلطة آنذاك، حتى تمّ التخلص من كلِّ آثاره بثورات ديمقراطية شعبية، هي الأقرب اليوم إلى مضمون المفهوم الصحيح لها في الدول التي تنتمي لهذه القارة. وهذا ما سمح لهذه البلدان أن تتنور وتتمدّن وترتقي بأنظمتها إلى سلّم التطور والتحضّر والتنمية في كل مفاصل حياتها. وما سيل الهجرة المتنامي نحو بلاد الغرب، وإلى أوربا بالذات، إلاّ الدليل القاطع على الإيمان بتطبيق هذه القارة لمفاهيم الديمقراطية الأقرب "وليس الأكمل"، إلى المبادئ الأساسية الأولى التي تشكلت على أسسها، والتي يحلمُ بها كلُّ طالبي الهجرة والساعين إلى الاستقرار وإلى حياة أفضل في دول المهجر.
هل الديمقراطية تعني ما نريد؟
ما نلاحظه، في مؤسساتنا الحكومية والتشريعية، لا يعدو كونه تخبطًا في مفاهيم الديمقراطية التي يتبارى فيها السياسيون بالتصريح بها والتأكيد على تطبيقها في الحياة السياسية والاجتماعية بخاصة. لكنهم، نسوا أو تناسوا ما تقوم به دوائر ومؤسسات وجهات غير منضبطة في صدّ ومحاربة كلّ ما يقترب من ممارساتٍ قريبة من مفهوم الديمقراطية التي حلم بها الشعب العراقي دون أن ينعم بمفاعيلها ونتائجها كاملةً غير منقوصة منذ التغييرات الدراماتيكية في البلد في 2003. وبطبيعة الحال، هذه العناصر ليست تتحرك من ذاتها لتنفيذ مثل هذه الملاحقات غير الحضارية، بل هي تتحرك وفق أوامر وتعليمات من جهات حكومية عليا، أو من أطراف حزبية ودينية متنفذة قد تركتها السلطات تتحرك وفق أجنداتها دون أن تصدّها أو تنهاها للأفعال التي تقوم بها. والدلائل على ذلك كثيرة، تمثلت مؤخرًا بغزواتٍ متتالية ومتزامنة ومنهجية، على مواقع وأماكن اجتماعية وثقافية تتعاطى أدواتٍ تعترف بها الدولة ضمنًا في الدستور الذي صاغه ممثلو الشعب، ومنهم مَن هُم اليومَ في قيادة الدولة. كما أن الدولة العراقية الجديدة، في غيابِ دوائر مؤسساتية رصينة مهنية وفاعلة، لم تستطع احتواء الساعين لإفشال نهج الديمقراطية المصدَّر للبلد، أو في الأقلّ تحجيمهم وتأنيب من يبالغ ويكابر في ردع أدوات الديمقراطية وروّادها من المثقفين وأصحاب الرأي والفنّ والعلم. ولعلّ السبب في كلّ هذا وذاك، غياب مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات السياسية والدين. وهذا وحده كافٍ لنسف أية فكرة أو محاولة لتطبيق مبدأ الديمقراطية على وجه حسن ومقبول أو حتى في المناداة بهذا المفهوم المتحضّر. من هنا، لا يمكننا القول أن الديمقراطية في بلدنا، وفي الشرق عامة، تعني ما نريد ونطمح له. فالإحباط في سلطة الدولة إذًا، قادمٌ أساسًا من إقحام المفهوم الديني في السياسة، حيث تسعى أطرافٌ مدعومة لتحقيق مبدأ سلطة "الدين والدولة" معًا، في حكم البلاد، تجاوزًا على حقوق الغير من المكونات المختلفة عن دين الأكثرية، التي من حقها وفق شرعة مبادئ حقوق الإنسان التي وقّع عليها عدد من الدول العربية وبضمنها العراق، أن تنعم بكامل الحقوق المواطنية الإنسانية التي تتمتع بها الأكثرية دون تمييز في الدين أو المذهب أو العرق أو القومية أو الفكر أو الانتماء أو اي شيء آخر، وعلى أساس الشراكة في الوطن والانتماء الصادق له وليس لغيره، أرضًا وسماءً وماءً وفكرًا ومحبةً وحرصًا وكفاءة ً ومهنيةً. لكن من المؤسف حقًا، أن تلاقي المكوّنات قليلة العدد (الأقليات) المختلفة عن دين الأكثرية في العراق، إحجامًا وصدًّا من كتل سياسية تدّعي اصطفافها وتعاطفها مع حقوق هذه الشرائح إعلاميًا، في حين تتعامل مع مطالبها وطموحاتها بشيء من الغرابة والرفض والتصغير حين يتعلق الأمر بمناصب ومشاركة في هيئات وطنية وتأسيسية مثل المفوضية العليا لحقوق الإنسان وتوأمتها المفوضية العليا "المستقلة" للانتخابات وغيرها. إذ كنتُ قد وضعتُ الأخيرة بين معقفتين، لأنها يجدر بها أن تكون مستقلة من اسمها، ولكنْ حتى هذه سُيّست وجُيّرت لصالح الكتل والمكوّنات الكبيرة. وبذلك، تم إهمالُ هذه المكوّنات "الأقليات"، وتهميشها وإقصاؤها بتعمّد ومع سبق الإصرار كلّما استجدّ جديد في العملية السياسية العرجاء. وهذا منافٍ تمامًا، للأسس الديمقراطية التي يجري الحديث عنها في الأوساط الحكومية والسياسية المتنفذة في الدولة. بل، إنّ هذا ما يُلزم هذه الشرائح الصغيرة أن تستنجد بضمائر المنظمات الدولية وتأثيراتها على الساحة العراقية، ومنها "اليونامي" المشرفة على عملية تشكيلها، بعد رفض السلطات الحكومية الاستجابة لمطالبها بأن تكون ممثَلةً في مثل هذه الهيئات جميعًا. وإني أتساءل، إذا كان السياسيون "يدّعون" دعمَهم وحرصَهم بضرورة وجود تمثيلٍ حقيقي ومقبول لأبناء الأقليات في مؤسسات الدولة وهيئاتها كونهم أصلاء في نسيج هذه الأمة، ضمانًا لتأكيد أهمية وجودهم في هذا البلد ودرءً لعدم انجرارهم وراء سيل الهجرة الجارف إلى دول الاغتراب والمجهول، فما الذي أقحمهم برفض المطالب المشروعة بضرورة تمثيلهم في هذه المؤسسات الأساسية في بنية الدولة، وقد أقرّتها المحكمة الاتحادية من جانبها في وقت سابق؟
سؤالٌ يبقى قائمًا للإجابة عليه وتبرير المواقف.

لويس إقليمس
ناشط مدني
بغداد، في 3 تشرين أول 2012