|
الاقليات العراقية والنموذج الفيدرالى
العراقى:دراسة تحليلية:
الدكتور حنين محمود القدو: عضو مجلس النواب,
الدورة الاولى
المقدمة
لاحظ العديد من المراقبين ان تبنى بعض الدول
للمؤسسات السياسية الفيدرالية قد نال اهتماما متزايدا فى انحاء العالم
خلال السنوات الماضية, ويوجد فى الوقت الحاضر مايقارب من 24 دولة
فيدرالية والتى تضم مايزيد عن 40% من سكان العالم1,وتضم هذه
الفيدراليات دولا كبيرة من حيث عدد السكان وتعتبر من اكبر الدول
الديموقراطية فى العالم واكثرها تعقيدا مثل الهند, والولايات
المتحدة,والبرازيل ,والمانيا والمكسيك,لقد ادى نظام الحكم فى هذه
البلدان الى ان تصبح بعض الانظمة الفيدرالية فيها من بين اكثر دول
العالم ازدهارا وتقدما وثراء.لكن لابد لنا ان نبين فى هذا السياق بان
معظم الاتظمة الفيدرالية كانت عبارة عن كيانات منفصلة سابقا مثل
الولايات المتحدة الامريكية التى كانت تتكون من ثلاثة عشر مستعمرة,
والكانتونات السويسرية التى اتحدت مع بعضها لتشكل حكومة فيدرالية ,
ولكن هناك ايضا بعض الدول التى كانت تتمتع بحكومات مركزية مثل
اسبانيا,بلجيكا,جنوب افريقيا والعراق التى تحولت الى حكومات فيدرالية.
وبالرغم من النجاحات التى حققتها بعض انظمة الحكم الفيدرالى فى بعض
الدول من خلال القدرة على احتواء مطالب الجماعات القومية والاثنية
والدينية المتعددة ومواجهة اعباء وضغوطات هذه المطالب المتعددة
والمتنافسة احيانا, الا ان النظام الفيدرالى ابعد مايكون عن الكمال وفى
الواقع لايوجد نظام فيدرالى متكامل, وقد تنشأ اضطرابات وفوضى فى
الانظمة الفيدرالية بسبب نظام الطبقات و قد تدفع ببعض الجماعات الى
استهدلف شرائح اثنية او عرقية او دينية او مذهبية معينةو وخاصة فى
الانظمة الفيدرالية المبنية على اساس الهويات التعددية العرقية او
الدينية او المذهبية .
ان التحول من دولة احادية الى دولة فيدرالية
مثل العراق وبلجيكا قد يؤدى الى الفوضى والانشقاق والمطالبة بالانفصال
وفى بعض الاحيان الى النزاع الاثنى.لقد تعرضت انظمة شبه فيدرالية مثل
الاتحاد السوفيتى ويوغوسلافيا الى الانهيار فى التسعينيات من القرن
الماضى.ولهذا نجد بان الهياكل الفيدرالية لم تنجح تماما فى كبت جماح
الحركات الانفصالية ومن المحتمل ان لاتنجح نهائيا كما هو الحال فى كندا
حيث طالبت مقاطعة كيبك باجراء استفتاء على موضوع الانفصال. ولهذا نجد
ان استخدام مصطلح الفيدرالية فى دساتير بعض الدول يسبب الكثير من القلق
لدى السياسيين ومن بينها بعض القيادات السياسية فى العراق , لان مفهوم
الفيدرالية يشير الى تجزئة السلطة السيادية للدولة بين الحكومة
الاتحادية والاقاليم, ولهذا السبب نلاحظ بان الحكومة الاسبانية وحكومة
جنوب افريقيا قد تفاديا استخدام مصطلح الفيدرالية فى دساتيرهما
الوطنية.وليس من الغريب ان نلاحظ بان بعض السياسيين العراقيين الرافضين
لفكرة تطبيق الفيدرالية فى العراق يحاولون التشبث بمفهوم الفيدرالية
الادارية كنوع من انواع الادارة اللامركزية والسبب فى هذا الخلط قد
يعود الى عوامل نفسية فى عدم تقبل فكرة النظام الفيدرالى المبنى على
اساس تقاسم السلطة بين الحكومة المركزية من جهة والوحدات المكونة لها
من جهة اخرى, لان الوحدات المكونة للنظام الفيدرالى تتمتع فى الكثير من
الاحيان باركان الدولة البسيطة كافة عدا مظهر السيادة الخارجية كما هو
الحال فى سويسرا وبلجيكا.ولكن يجب التاكيد فى هذا السياق على ان سلطات
وصلاحيات الوحدات المكونة للحكومة الفيدرالية تتفاوت من نظام الى اخر
ومن دولة الى اخرى.وبكلمة اخرى ان طبيعة وخصائص النموذج الفيدرالى
يعتمد على مدى سعة الصلاحيات الممنوحة للوحدات الفيدرالية وليس على
اساس استخدام مصطلح الفيدرالية او عدم استخدامه فى دساتيرها.فمثلا ان
المانيا تشدد على استخدام مصطلح (الفيدرالية) الاتحادية الا ان نموذجها
الفيدرالى يكاد ان يكون نموذجا لامركزيا للحكم,اما النموذج الفيدرالى
السويسرى يكاد ان يكون نموذجا قريبا من الكونفدرالية بالرغم من ان
الدستور السويسرى لايستخدم مصطلح الفيدرالية.
ان الاقليات العرقية او الدينية او اللغوية
فى الانظمة الفيدرالية والتى تشكل نسبة كبيرة من السكان فى دولة ما قد
تطالب بالمزيد من الصلاحيات او انظمة حكم قريبة من دولة ذات سيادة
والتى قد تشجع فى النهاية على الانفصال والتشرذم والدخول فى صراعات على
الحدود الادارية تارة وعلى الموارد الطبيعية تارة اخرى ,ان الاقرار
بالخصوصية الثقافية والقومية والمذهبية فى دولة ما يجب ان لايكون على
حساب وحدة البلد,ولهذا نلاحظ بان الدستور الفرنسى ونظامه السياسى يقر
بمبدأ المواطنة وليس بمجتمع متعدد المستويات الادارية مبنية على اساس
التعدد الثقافى او الدينى والعرقى وترفض مطالبة الاقليات بحقوق
وامتيازات استثنائبة ويعد مطالبة الاقليات بمكانة مميزة وحصرية فى
المجتمع الفرنسى او الاعتراف باختلافها وخصوصياتها غير شرعى ويؤكد
الدستور الفرنسى على ان الخيار الوحيد للاقليات هو الاندماج الطوعى فى
الامة الفرنسية .
النموذج الفيدرالى العراقى والاقليات
العراقية:
الفيدرالية اداة من ادوات التنظيم الادارى والحكومى والسياسى والتى
تقسم بموجبه نشاطات ومهمات الحكومة بين الحكومة الاتحادية الفيدرالية
من جهة وحكومات الوحدات المكونة للحكومة الاتحادية كالاقاليم او
المقاطعات او الولايات من جهة اخرى, ويمكن القول ايضا بان النظام
الاتحادى الفيدرالى هو النظام الادارى السياسى اللامركزى الذى تكون فيه
سيادة الدولة مقسمة دستوريا بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية
التابعة للاقاليم بحيث تكون تداول السلطة فيها سلمية وجماعية من قبل
الحكومتين .وتعتبرالاقاليم او الولايات وحدات دستورية لديها نظامها
الاساسى الذى يحدد لها سلطاتها التشريعية القضائية والتنفيذية. ومن
المعروف ان مصطلح الفيدرالية كلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية(Feodus)
ويعنى الاتحاد او الاتفاق يتم قبوله بين كيانات قد تكون مستقلة من خلال
نؤسسات دستورية من اجل تحقيق اهداف مشتركة. فالفيدرالية وفق هذا
المفهوم تشير الى نظام حكومى وسياسى وادراى متعدد المستويات تقوم على
اساس قواعد وبنود دستورية واضحة تجمع ما بين الوحدة والتعددية وتعمل
على استيعاب الهويات المميزة والحفاظ عليها وتعزيزها , ومن احد مبررات
نشوء النظم الفيدرالية هى الحفاظ على وحدة الدولة مع الاخذ بنظر
الاعتبار ضمان حقوق ومصالح الاقليات اللغوية, الدينية والعرقية
والمذهبية والمقاطعات الجغرافية فى مواجهة طغيان حكم الاغلبية.
ان المطالبة بتبنى نظام الحكم الفيدرالى
غالبا مايكون مطلبا للاقليات فى كل دول العالم لحماية نفسها من هيمنة
الاكثرية على مقاليد الحكم وتهميش مصالحها الثقافية و التعليمية و
للحفاظ على خصوصياتها ,ولكن ماحدث فى العراق بعد سقوط النظام السابق
كان للاغلبية العربية والكردية التى تشكل نستبهم مايقارب من 80% من
نفوس العراق دعوات ومواقف واضحة بالمطالبة بتطبيق نظام الحكم الفيدرالى
فى العراق.ولم يكن للاقليات العراقية القومية والدينية كالتركمان
والمسيحيين والكرد الفيلية والايزيدية والشبك والصابئة والارمن مواقف
داعمة او على الاقل واضحة تجاه اقامة نظام حكم فيدرالى فى العراق.
وعموما يرجع اصل فكرة المشروع الفيدرالى فى العراق الى تبنى برلمان
كردستان العراق فى سنة 1992 مشروع (الفيدرالية فى العراق مابعد
الدكتاتورية),وكما ان مصطلح الفيدرالية ترددت كثيرا كمطلب اساسى فى
الخطاب السياسى للمعارضة العراقية باطرافها المتعددة فى اجتماعاتها
المتوالية ومنها اجتماع لندن فى (14-20)من شهر كانون الاول (2002)
واللذى عقد تحت شعار( من اجل بناء عراق جديد لما بعد صدام ) على اساس
التعددية والديموقراطية والفيدرالية وحقوق الانسان. وشهدت الفترة بعد
سقوط النظام الترويج بشكل مكثف لصالح نظام فيدرالى فى العراق.كما ان
قرار مجلس الامن رقم(1546) كان له اضافات لصالح الفيدرالية, وبالاضافة
الى ما تم ذكره التزم قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذى تم
صياغته تحت رعاية بريمر بانشاء نظام فيدرالى فى العراق , وتوج هذا
التوجه بصياغة الدستور العراقى الدائم الذى تم التصويت عليه فى 15
تشرين الاول 2005 والذى تبنى النظام الفيدرالى بصياغات متعددة وفى اكثر
من فصل ومادة دستورية.
ان النموذج الفيدرالى العراقى الذى تبناه
الدستور خلق انقسامات حادة فى المجتمع العراقى من بين مؤيد ومعارض له
من قبل المكونات العراقية وقياداتها,وكان من بين المؤيدين للحكم
الفيدرالى الاغلبية الشيعية والاحزاب الكردستانية,بينما تم رفضه من قبل
المكون السنى وكذالك المكون التركمانى وبعض الاقليات لاعتقادهم بان
النموذج الفيدرالى الذى اخذ به الدستور العراقى سيعرض وحدة العراق الى
الخطر مما سينعكس بشكل سلبى على الحلقات الضعيفة من الاقليات العرقية
والدينية فى العراق. لقد حاول الدستور العراقى 2005 ان يقدم ضمانات
دستورية وحماية قانونية قوية ضد التمييز فى مواد عديدة ضمن باب الاول
والثانى من الدستور العراقى مثل المواد الدستورية (2, 3 ,4 ,10, 14,
18, 19, 20, 34, 35, 42 و125 ) لتحقيق المساواة ومناهضة التمييز على
اساس الانتماء العرقى ,الدينى,الاصل, الجنس,المعتقد واللون,وجاءت
المادة (125) من الدستور العراقى ليعطى ضمانات دستورية للاقليات
العراقية بالقول(يضمن هذا الدستور الحقوق الادارية والسياسية والثقافية
والتعليمية للقوميات المختلفة كالتركمان , والكلدان والاشوريين, وسائر
المكونات الاخرى, وينظم ذالك بقانون).الا ان المكونات العراقية الصغيرة
, وبالرغم من هذه الضمانات الدستورية,تعرضوا الى عمليات شبه ابادة فى
ظل موجات العنف التى اجتاحت البلاد برمته ناهيك عن التهميش للمشاركة فى
الحياة العامة والمحاولات الجارية لاذابة بعض الاقليات ضمن ثقافات اكبر
من اجل تحقيق مكاسب جغرافية كما يحصل للشبك والكرد الفيلية والايزيدية.
ومن خلال استعراض النموذج الفيدرالى العراقى
وفق المواد الدستورية التى حددت ملامح وخصائص هذا النموذج, وبالتركيز
على دراسة المواد الدستورية من (110) الى المادة (121) نلاحظ بان هذه
المواد من الدستور قد حددت صلاحيات الحكومة الاتحادية ومنحت صلاحيات
واسعة لحكومات الاقاليم والمحافظات الغير المنتظمة فى اقليم , فان هذه
المواد حددت صلاحيات الحكومة الاتحادية برسم السياسات بينما خولت
الاقاليم عملية القيام بالتنفيذ, فمثلا المادة (110) من الدستور حدد
صلاحيات الحكومة الاتحادية برسم السياسة الخارجيةو والتمثيل
الدبلوماسى,والتفاوض بشان المعاهدات والاتفاقيات الدولية , وسياسات
الاقتراض والتوقيع عليها وابرامها, ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية
الخارجية السيادية, ولكن اذا امعنا النظر فى الفقرة اولا ورابعا من
المادة (121) نلاحظ بان الدستور العراقى قد منح للاقاليم والمحافظات
صلاحيات سيادية واسعة لفتح مكاتب لها فى السفارات والبعثات الدبلوماسية
لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية للاقاليم مما يفتح لها
مجال واسع للقيام بانشطة هى ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية. , مع العلم
ان المادة 110 اشارت الى رسم (وضع) السياسة الخارجية والتمثيل
الدبلوماسى ولم تتطرق الى ذكر التنفيذ وهذا يترك المجال للتاويل
والتفسير,فمن هو المسؤؤول عن التنفيذ؟ السفير ام ممثل الاقليم وكيف
ستتعامل الدول المضيفة متابعة مصالحها فى الاقليم, مع السفير او مع
ممثل الاقليم؟..
ان المواد الدستورية (115) و(121) قيدت
السلطة الاتحادية امام سلطات الاقاليم,حيث ان المادة (115) خولت سلطات
الاقاليم الحق فى رفض القوانين الصادرة عن مجلس النواب العراقى فى حالة
نشوب خلاف بين السلطتين ,خاصة فيما يتعلق بالصلاحيات المشتركة, من خلال
نص المادة اعلاه على ان (كل مالم ينص عليه فى الاختصاصات الحصرية
للسلطات الاتحادية,يكون من صلاحية الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة فى
اقليم, والصلاحيات الاخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والاقليم
,تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة فى
اقليم,فى حالة الخلاف بينهما).ان مانصت عليها هذه المادة تعتبر حالة
استثنائية فى النماذج الفيدرالية المطبقة فى العالم , ووفقا لهذه
المادة والمواد الدستورية الاخرى من (109 الى 115) والمادة (121) ومن
خلال دراستها نستطيع القول بان حكومة اقليم كردستان والحكومات
الاقليمية الاخرى التى سوف تنشأ والتى يتم المطالبة بانشائها الان مثل
اقيم صلاح الدين ,ديالى,نينوى والبصرة سوف تتمتع بصلاحيات واسعة تقترب
فى اختصاصاتها من صلاحيات واختصاصات المقاطعات فى الدول
الكونفيدرالية.ان النموذج الفيدرالى العراقى اضعفت قدرات الحكومة
المركزية الى حد كبير من مواجهة التحديات التى تعرض وحدة البلد الى
الخطر والقدرة فى التاثير على سياسات الاقليم الحالى والاقاليم التى
سوف تنشأ وفقا للمصلحة الوطنية والقدرة على التدخل فى شؤونها الداخلية
لحماية الاقليات التى قد تتعرض الى اضطهاد دينى او انصهار عرقى فى هذه
الاقاليم.
ان رفض برلمان كردستان فى تخصيص مقاعد محددة للاقليات فى اقليم كردستان
فى قانون انتخابات مجالس المحافظات المطروح الان على البرلمان للمصادقة
يعزز تخوف ابناء الاقليات من المسيحيين والايزيدية فى اقليم كردستان من
عمليات الاذابة.وهذا الموقف قد يتكرر فى اقاليم اخرى فى حالة انشائها
متجاهلة قوانين الانتخابات لمجالس المحافظات والنواب الذى تم تشريعها
من قبل مجلس النواب العراقى فى سنة 2008 و2009 والذى حدد بموجبهما عددا
من المقاعد الخاصة للاقليات العراقية لتمثيلها فى السلطة التشريعية.
ان ماطرحه الدستور العراقى بشان النظام
الفيدرالى وتكوين الاقاليم فى الفصل الاول من الباب الخامس من الدستور
وتحديده لصلاحيات كلا من السلطة الاتحادية وسلطات الاقاليم ومانص عليه
القانون الخاص بالاجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الاقاليم لسنة 2008
فتح الباب على مصراعيه امام المحافظات للمطالبة بتشكيل الاقاليم على
اسس عرقية ومذهبية وخاصة ان المشرع العراقى لم يضع القيود على عدد
المحافظات التى يمكن لها ان تشكل الاقاليم. ووفقا للمعطيات الموجودة
على الارض ودراسة واقع العراق فان هذا البلد مرشح للانقسام الى ثلاث
دويلات صغيرة مبنية على لسس عرقية وطائفية متنافسة ومتصارعة.وسوف يترتب
على هذا الانقسام ظهور صراعات على الاقل فى ثلاثة ميادين مهمة:
اولا: الصراع على الارض والحدود الادارية
للاقاليم
ثانيا:الصراع على الموارد الطبيعية وخاصة الموارد المائية والغاز
والنفط
ثالثا:التطهير العرقى والمذهبى اللذى سوف يصاحب عملية الانقسام.
ان مايشهده العراق الان من جدل سياسى وصراع
للارادات حول تواجد قوات البيشمركة فى مدينة خانقين وجلولاء وكركوك
وسهل نينوى وفى المناطق المسماة بالمناطق المتنازع عليها ورفض هذه
القوات الانسحاب الى داخل حدود الاقليم ماهى الا ظاهرة من ظواهر الصراع
على الارض ومحاولة من قبل التحالف الكردستانى التوسع على حساب الحدود
الادارية لمحافظة ديالى ونينوى. ان تشبث وتمسك القيادات الكردية بتطبيق
المادة الدستورية (140) ورفض تطبيق هذه المادة من قبل المكون العربى
والتركمانى فى كركوك باعتبارها ساقطة من حيث التقادم الزمنى دعت ممثل
الامم المتحدة فى العراق فى سنة 2008 للتدخل لايجاد صيغة توافقية
كمحاولة للخروج من ازمة كركوك وتداعياتها الخطيرة على مجمل الاوضاع
الامنية فى العراق. ان التجاذبات والخلافات السياسية والصراع على الارض
كان سببا فى عدم الاتفاق على تطبيق هذه المادة فى الفترة الزمنية
المحددة دستوريا. ان مطالبة القيادات الكردية لم تقتصر فقط على
المطالبة بضم محافظة كركوك الى اقليم كردستان بل تطالب بمناطق خانقين
ومندلى وجلولاء من محافظة ديالى , وقضاء سنجار وشيخان وتلكيف
والحمدانية وتلعفر وزمار من محافظة نينوى مع مناطق واسعة من محافظة
صلاح الدين. وليس من الصدف اذن ان نجد بان القوات الامنية الكردية
متمثلة بالبيشمركة والمخابرات الكردية قد دخلت المناطق اعلاه بعد سقوط
النظام السابق مباشرة وكرست وجودها من خلال فتح العشرات من المقرات
الحزبية مدعومة بالمخابرات وقوات الزريفانى الكردية.وقد رافقت هذه
العملية القيام بحملات دعائية واسعة وترويج لفرض الهوية الكردية على
الاقلية الشبكية وكذالك على المكون الايزيدى اللذى انقسم على نفسه بين
مؤيد ورافض للهوية الكردية للمطالبة بمناطق سكناهم. ان الخلافات
القائمة بين قائمة الحدباء والتاخى ومقاطعة الاخيرة لجلسات محافظة
نينوى ماهى الا جزء من الصراع على الارض اولا وعلى الحدود الادارية
ثانيا. ان
الصراع بين الاقاليم سوف لايقتصر فقط على تحديد الحدود الادارية لكل
منها انما سوف يشمل الصراع ايضا على الموارد المائية والموارد الطبيعية
.فقيام حكومة اقليم كردستان بالتعاقد مع شركات النفط العالمية للتنقيب
واستخراج النفط فى مناطق كركوك وشيخان وبعشيقة ادى الى احتجاجات ورفض
من قبل مجلس محافظة نينوى وكذالك من قبل الحكومة المركزية مما يهدد
بنشوب صراع بين الاطراف ,قد يكون مسلحا. ان المناطق العربية الغربية
اغلبها مناطق صحراوية فقيرة نسبيا من حيث مقارنتها بالمناطق الجنوبية
والمناطق الكردية التى تحتوى على خزين نفطى كبير بعكس المناطق الغربية
,بالاضافة الى ان المناطق الغربية تفتقر الى توفير الامن الغذائى بسبب
وقوعها فى المناطق الصحراوية او شبه صحراوية باستثناء الشريطين
المحاذيين لنهرى دجلة والفرات, وفى حالة تشكيل فيدرالية سنية كما طالب
ويطالب بها بعض القيادات السنية فانها سوف تعتمد على الاقليم الشيعى
والكردى فى تجهيزها بالمواد الغذائية , وقد يستطيع الاقليم السنى
التحكم بالموارد المائية وخاصة نهرى دجلة والفرات والسيطرة عليها
للمطالبة بدعم غذائى واقتصادى لها من قبل الاقاليم الاخرى.ان احتمال
نشوب صراع بين هذه الاقاليم ,تارة على الموارد المائية وتارة اخرى على
الموارد الاقتصادية ومنها النفط والغاز امر وارد جدا.
ان تكوين الاقاليم وفقا للاسس العرقية
والطائفية سوف يؤدى الى نشوب صراع ليس فقط بين المكونات العراقية
الرئيسية وانما ايضا سوف يشمل المكونات العراقية الصغيرة.ان انتشار
السنة فى العراق لايقتصر فقط على المناطق السنية بل يمتد انتشارها الى
المناطق الجنوبية وكذالك الحال بالنسبة الى الشيعة. فهناك مثلا نسبة
عالية من السنة منتشرين فى محافظة البصرة والحلة ومناطق اخرى وكما انه
هناك نسبة عالية من الشيعة يقطنون محافظات ديالى وكركوك ونينوى واذا ما
قدر النجاح للدعوات المطالبة باقامة الفيدراليات العرقية والطائفية سوف
تشهد المحافظات العراقية نزوح سكانى كبير من والى المحافظات الشمالية
والجنوبية وعمليات تطهير عرقى ومذهبى تمارس من قبل المتطرفين كما حدث
فى بغداد خلال السنوات 2006 الى 2009وسوف يظهر تخندق طائفى فى العراق,
والامر سوف لايختلف بالنسبة للاكراد القاطنين فى المدن العراقية
,وسيظطر الاكراد الى النزوح بغداد والمدن العراقية الاخرى باتجاه اقليم
كردستان. وبدلا من ان يوفر النظام الفيدرالى الانسجام والتلاحم بين
المكونات العراقية وحماية للاقليات واحترام التنوع الدينى والعرقى
واللغوى والمذهبى كما يدعى مناصروا الانظمة الفيدرالية فان انشاء
الاقاليم فى العراق سوف يطال الاقليات العرقية والدينية من خلال كبت
حرياتهم الدينية وانتمائهم العرقى ومصادرة حقوقها.وماحدث من عمليات
التطهير للمسيحيين فى مناطق الدورة و وللشبك والمسيحيين والايزيدية فى
محافظة نينوى من عمليات قتل وتهجير , واستهداف الصابئة فى بغداد ماهى
الا بوادر للتطهير العرقى والطائفى فى بعض مناطق العراق. لقد اجبرت هذه
العمليات المسيحيين والصابئة والشبك والايزيدية الى مغادرة العراق
والاتجاه نحو الدول الاوربية للاستقرار , وتشير التقارير الاخيرة بان
عدد العوائل المسيحية التى تركت العراق فقط خلال سنة 2011 وصل الى 6000
عائلة. وليس من الغريب ان نجد ان بعض الاحزاب المسيحية بدات تطالب
بانشاء كيان مسيحى يتمتع بنوع من الاستقلالية اومحافظة للمسيحيين تارة
ومحافظة للاقليات فى سهل نينوى تارة اخرى.ان انشاء مثل هذه المحافظة
سوف يعزز تكوين كانتونات داخل العراق مما سوف يؤدى بالمجتمع العراقى
الى اعادة توزيع وتوطين السكان وفقا للولاءات العرقية والطائفية
والمذهبية والتى سوف تؤسس لمقدمات للمطالبة بالانفصال.
الخلاصة:
ان النموذج الفيدرالى العراقى ليست ضمانة
اكيدة لتطبيق حكم القانون وبسط السيادة على الاراضى العراقية, فالجيش
العراقى عاجز عن الدخول الى المناطق المسماة بالمناطق المتنازع عليها
ناهيك عن قدرتها فى الدخول الى الاقاليم فى حالة انشائها.كما ان النظام
الفيدرالى العراقى غير قادر على حماية الحريات والاقليات العرقية
والدينية واللغوية وحماية حقوق الانسان, ولابد نت الاشارة فى هذا
السياق بان المادة 120 من الدستور العراقى حول الاقاليم بوضع دستور خاص
لها بما ينسجم مع حاجاتها وهذا مما يفسح المجال اما م بعض الاقاليم من
تبنى بعض السياسات التى قد لاتحترم التنوع العرقى والدينى والمذهبى
واللغوى للاقليات فى الاقليم ولاتعترف بها .ان العراق اللذى يتكون من
مجموعات من القوميات ذات تطلعات متباينة وتفتقر الى مجموعة واحدة قوية
متجانسة عرضة لعدم الاستقرار اكثر من غيرها. ان النظام الفيدرالى
العراقى وفر الارضية لبناء دولة داخل دولة بسبب الصلاحيات الواسعة التى
تتمتع بها الاقاليم,هذا لايعنى بان العراقيين يرغبون فى العيش فى ظل
دولة مركزية متشددة بسبب التنوع الدينى والعرقى واللغوى والمذهبى اللذى
قد يسمح فيها بمصادرة الحريات وانتهاك لحقوق الانسان كما حصل فى ظل
النظام الشمولى السابق ,وفى نفس الوقت لايمكن القبول بتمزيق العراق
وتفتيته الى دويلات وحكومات صغيرة واقحام الشعب العراقى فى صراعات
,ولكن ماندعو اليه هو تحقيق التوازن مابين صلاحيات الحكومة الاتحادية
والاقاليم من خلال اجراء تعديلات جوهرية على المواد الدستورية ذات
العلاقة بصلاحيات الاقاليم للحفاظ على وحدة العراق وتفادى تقسيمه مع
تحقيق مبدأ اللامركزية الادارية فى المحافظات العراقية على نطاق واسع .
المصادر
1.مجلس النواب العراقى,دستور جمهورية
العراق2005
2.حنين محمود القدو,النظام السياسى والفيدرالى:وجهة نظر سياسية,بحث
مقدم الى معهد النرويجى للشؤوالدولية فى مؤتمر عقد فى البحر الميت بين
5 اب 2008.
3.رونالد ل. واتس, الانظمة الفيدرالية,منتدى الاتحادات الفيدراليةوشبكة
دولية للفيدرالية,2006
4.هاملتون,ماديسون,جاى,الاوراق الفيدرالية,
ترجمة عمران ابو حجلة,دار الفارس للنشر والتوزيع,2005
لويس إقليمس
نائب رئيس مجلس الأقليات العراقية
"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وفي التاس
المسرة الصالحة"
بهذه الكلمات السماوية، سبّح الملائكة، معلنين
الفرح للبشرية يولادة المخلّص الرب، يسوع المسيح، له المجد، الذي يكنّ
له جميع البشر على أرض الشقاء، باختلاف أديانهم ومذاهبهم، كل احترام
وتبجيل لرسالته السماوية المتلخصة بأهمّ ثلاث خصالٍ إنسانية، هي
التواضع والمحبة والسلام.
يحتفل العالم المسيحي ومعه كل البشرية، وأنتم
معنا في العراق الجريح، بهذه المناسبة التي أتت بالبشرى الطيبة لجميع
بني البشر. مناسبة سرمدية، تضع عالم اليوم والعراق بصورة خاصة في دائرة
الضوء، وهو يعيش أزمة جديدة، يريد لها البعض أن تقوّض العملية السياسية
القائمة وهي في أصعب
أوقاتها وأكثرها حراجة على الوطن والشعب على
السواء. ونقولها نحن المسسيحيين بكل اسف، ماذا ارتكبناه من أخطاء أو
جرم، لا سمح الله، كي نعتاد الحرمان من الاحتفال بمثل هذه المناسبة
السعيدة التي لم تأت للعالم إلاّ بببشرى السلام والمحبة والرفق: ألم
يقل الشاعر الكبير أحمد شوقي:
ولد الرفق يوم مولـــد عيســـى
والمروءات والهدى والحياءُ
وازدهى الكون بالوليد وضاءت
بسناه من الثرى
الأرجــــــــاءُ
ما أحلى أن نتشارك معًا في كل مناسباتنا الدينية
السعيدة، إسلامية كانت أم مسيحية أم صابئية أم آيزيدية أوغيرها من
المناسبات التقليدية التي يتمتع بها مجتمعنا العراقي على تعددية ألوانه
وأطيافه الزاهية، كي نعيد للعراق الجريح عافيته بعد نزف
الأبرياء
فيه وأنين جرحاه وشكوى الفقراء والمستضعفين من قساوة الحياة وشظف العيش
والفقر، والأهم من ذلك كله، من الفوضى العارمة في حياتهم اليومية بسبب
حالة عدم الاستقرار والاختراقات الأمنية المتفاقمة التي تطلّ علينا
كلّما حصل توتّر سياسي بين الفئات الحاكمة. ونحن نعلم جميعًا، أن كلّ
هذا، مردّه الصراع الطائفي والمذهبي بالدرجة الأولى، بين قادة الكتل
السياسية والدينية الذين أثبتوا للشعب، وللأسف الشديد، عدم أمانتهم في
قيادة البلاد، الذي ائتمنهم العراقيون فيها على صيانة أرضهم وعرضهم
وأملاكهم وحياتهم. لقد كان ردّ فعل العديد من المرجعيات الدينية،
الإسلامية منها والمسيحية والصابئية والآيزيدية وأخرى غيرها، شديدًا،
واضحًا، متسمًا بالاستياء ممّا يجري على الساحة العراقية من تقاطع في
المصالح الفئوية والطائفية الضيقة، على حساب المصلحة العليا للبلاد.
نعم، لقد مرّ العراق بأزمات كثيرة، وتجاوزها رغم صعوباتها، وهو قادر
اليوم أيضًا، إذا عقد العزم، أن يثبت صحة اعتقادنا، بقدرة القيادات
السياسية على تجاوز هذه الجولة الجديدة من الأزمة
التي
تضرب الوطن هذه الأيام، إذا ما تنازلت القيادات المتصارعة والمتضاربة
في مصالحها، ووضعت نصب أعينها مصلحة الشعب المغلوب على أمره حين ركونها
إلى العقلانية
وإلى الحوار الوطني الهادئ، ليكون الوطن ومصلحته سيد الموقف، بعيدًا عن
كلّ أنواع التطرف في المطالبات والتعصب في المناقشات والتحيّز في
الاستحقاقات المزعومة لكل كتلة.
رسالة السيد المسيح، الذي ضرب بها المثل الصالح
في التواضع والمحبة، هي التي بشرت بالسلام المرتقب لبني البشر، وهي
حافز لعراقنا الجريح كي يولد من جديد ويحيا أجواء المحبة والوحدة
والطمأنينة في ظل الظروف الجديدة التي ستنقله إلى حظيرة دولة مستقلة
ذات سيادة كاملة غير منقوصة. ممّا لاشكّ فيه أن جلاء القوات الأجنبية
من الأراضي العراقية، له مغزى سام ومعنى أثيل، ما تدعو الحاجة، جميع
المخلصين له من الوطنيين الشرفاء، كي يتشاركوا هذه المسؤولية بتعزيز
وحدته الوطنية والمساهمة في بنائه وإعلاء صرحه بالتغاضي عن كل مصلحة
أنانية وفئوية ضيقة.
إن إقدام أيّ مقتدر سياسي في الحكم القائم على
تقديم تنازل، ولو يسير، ليس ضعفًا أو خنوعًا أو عجزًا، إذا ما كان
سيصبّ في مصلحة الوطن والشعب على السواء. بل إن مثل هذا السلوك
المتسامي في الرفعة والخلق، سوف يعلي من شأنه ويزيد من رصيده، ليس وسط
أهله وأصدقائه ومريديه فحسب، سينال رضا الشعب وحب أبنائه وتعاطفهم مع
سلوكه الوطني الكبير. عندما أراد المسيح أن يولد في مغارة بيت لحم، وهو
العظيم الشأن لدى الله خالق الكون، لم يحسب ذلك ضعفًا أو حقارة أو
مهانة، بل كان ذلك الفعل علامة عظمة وقدرة ورفعة، بحيث جاءه ملوكٌ من
بلاد الشرق ليسجدوا له ويقدموا له هداياهم. ماذا لو اقتدى قادتنا
السياسيون، بهذه الخصال العظيمة الشأن ويتنازلوا عن شيء أسمُه الأنانية
وحب الذات والعجرفة، ويتحلّوا عوضها بالتسامي ومحبة الغير والتواضع،
وهي صفات غبر بعيدة عن الأصلاء من الوطنيين العراقيين الذين عرفهم
التاريخ والحضارة. هذه الصفات الآدمية العليا يمكن أن تشكل اليوم،
قاعدة لبناء وطن موحد، قوي، مسالم، متسامح، زاخر بالشيم العربية
والعراقية الأصيلة التي تتالت وتوارثها العراقيون الشرفاء منذ أجيال
وقرون. ماذا جرى، كي تتمزّق لحمتنا الوطنية ويتشظى شعبنا وينفرط عقد
نسيجنا الاجتماعي، بسبب شغف البعض المفرط بالمال والجاه والسلطة؟ وفي
كل هذا وذاك، يكون الشعب المسكين والمستضعفون فيه هم الضحية الأكبر،
ولاسيّما أبناء
الأقليات الذين يشكلون فيه
الحلقة الأكثر ضعفًا في المجتمع والأكثر
تضررًا في المعادلة السياسية القائمة، بسبب التهميش والإقصاء
والاستبعاد الذي يعانون منه بسبب نظام المحاصصة الذي أرساه المحتل
وطبقته الأغلبية الحاكمة ولا تريد التنازل عنه رغم إثبات عدم جدواه
وقصوره وتحيّزه.
أزمة اليوم، تستدعي التفكير بهدوء وروية وفي أجواء وطنية ترسي
لبناء الدولة التي لم تكتمل بعد بسبب صراعات الفرقاء، أصدقاء الأمس
وأعداء اليوم. الوطن لايبنى بالحساسيات المفرطة، دينية كانت أم طائفية
أو إثنية أو مذهبية. هذه كلّها لا تصلح في معايير السياسة الوطنية
الصادقة، ومن يصرّ عليها ليس بالوطن والمواطنة بشئ، وسوف يمقته الشعب
ويحاسبه التاريخ.
أيها الإخوة والأخوات،
الديمقراطية التي انتهجها العراق بعد ولادته الجديدة في 2003،
تعني الكثير. ومن جملة ما تعنيه، الحرية والكرامة الإنسانية للفرد
والمجنمع، ولكل الجماعات التي يحتضنها، دينية كانت أم إثنية، صغيرة
كانت أم كبيرة، إقلية كانت أم أغلبية. كلهم مواطنون، وكلهم لهم الحق
المتساوي في تبوّء مواقع السلطة وفي العمل وفي التوظيف وفي السفر
والتنقل وفي الثروات وفي الحرية التي لها حدودها عندما تبدأ حرية
المقابل. الديمقراطية، تعني أيضًا، طيّ صفحة الماضي، حيث مبدأ الحزب
الواحد والقائد الأوحد. وهذا بحدّ ذاته درسٌ لنا جميعًا. فالحياة
الجديدة في العراق الجديد، لا تقبل بعدُ باللون الواحد والدين الواجد
والمذهب الواجد والطائفة الواحدة أو الكتلة الواحدة. القادر على قيادة
الدولة، إذا أثبت وطنيته وكفاءته ونزاهته وأمانته للوديعة المؤتمن
عليها في قيادة الوطن والأمة، سيكون له من جميع طبقات الشعب، كل احترام
وتقدير، وسيباركه الله ويسدّد خطاه لأنه نقل وطنًا مثقلاً بالجراح
وأهله المتعبين من حالة الشقاء إلى برّ الأمن والأمان. وهذا ما يمتناه
الشعب العراقي، حالة مستقرة من الأمن والطمأنينة وخدمات آدمية مقبولة
تليق بتاريخه وحضارته وتتناسب مع تضحياته وكثرة خيراته التي لم يتح له
التمتع الحقيقي بها لغاية اليوم، منذ اكتشافها واستغلالها.
أما المرأة في العراق، فهي الأخرى لها همومها
الكثيرة في المنزل أم في العمل أم في الحياة العامة. إن نظرة المجتمع
إلى المرأة، ينبغي أن تتغير لتتناسب مع مكانتها وقدراتها الوطنية
والمجتمعية. فهي لم تعد آنية للتفريخ والمتعة أو سلعة للعرض
والاستعراض، بقدر ما لها من مساواة في كل مناحي الحياة، كما للرجل، وفق
ما حباهما الله عندما خلقهما على صورنه ومثاله. المرأة خُلقت إلى جانب
الرجل آدمية متساوية معه ومكمّلة له ومعاضدة له في الحياة، وليس
بحصرها في المنزل وشلّ قدراتها وطاقاتها التي
يمكن أن تخدم فيها المجتمع بكل جدارة وأن تثبت فعاليتها في الحياة
العامة ومنها السياسية والعلمية والإدارية والاقتصادية والقضائية على
السواء.
إننا نعتقد أن الشعب العراقي، قد استعاد جزءًا
كبيرًا من وعيه السياسي والاجتماعي، وهو قادرٌ في حساباته في دورة
الانتخابات القادمة، في مجالس المحافظات والأقضية، وبعدها في
الانتخابات البرلمانية، إنشاء الله، على فرز الغث من السمين، والحكم
على الأحزاب والكتل والأفراد التي تلاعبت بمصيره ولم تحقق له غير الغمّ
والهمّ واستمرار عدم الاستقرار وتواصل أعمال الخطف والقتل والتهجير
وغيرها من أعمال العنف التي لم تتوقف. إننا ندعو لرص الصفوف، لتفويت
الفرصة على أعداء العراق، وهم كثيرون، سواء في الداخل أو في الخارج،
ممّن لا يريدون له الاستقرار وراحة البال والانتعاش في جميع مجالات
الحياة، السياسية منها والاقتصادية والعلمية والاجتماعية. إن نبذ العنف
من أساسه وعلى جميع الأصعدة، واجب وطني وإنساني على كل من يدّعي
المواطنة ويعترف بمبدأ قبول الآخر ويتطلع لوحدة التراب العراقي وبنائه
وسلامته من كلّ أعدائه المحيطين به.
إننا نعتقد أيضًا، أن ما يشهده الوطن هذه الأيام، يقع بدون شك
ضمن خانة الصراعات الطائفية والسياسية التي أنهكت الدولة الديمقراطية
المزعومة، التي يلقي المسؤولون فيها السبب في نظام الشراكة التوافقية
غير المجدية، ونحن معهم في هذا المسعى. لقد فشل السياسيون في هذا النوع
من الشراكة، فليجرّبوا غيره، وليبحثوا في الدستور القاصر ما يمكن أن
ينشلهم من هذه الأزمة الأخيرة، علّها تكون بردًا وبلسمًا على الجميع.
كلنا على دراية بما خلّفه الدستور الذي كُتب على عجالة، من مشاكل
وإرهاصات وثغرات كانت السبب الحقيقي وراء العديد من المشاكل والإخفاقات
التي حصلت منذ سقوط النظام السابق ولغاية اليوم. فقرات عديدة في
الدستور الحالي وأبواب غير موفقة فيه، لم تهيّء الفرصة الصحيحة لبناء
دولة المؤسسات وترصين القائم منها وتغيير غير الصالح فيها، بسبب كتابته
بطريقة أريد لها خدمة فئات محددة، مهيمنة على المشهد السياسي بدعم من
المحتلّ الذي جاء بحزمة أوامر وقرارات مسبقة تهدف لتمزيق اللحمة
الوطنية والمجتمعية في العراق.
اليوم، وفي ضوء ما نعيشه من أحداث ساخنة ومن
حوادث مفجعة، تقض مضاجع الشعب عامة، ونحن الأقليات بخاصة، يتحتم على
الجميع التحلّي ولو بيسير من الحرص الوطني الصادق من أجل استعادة الوطن
عافيته وعودته إلى حظيرة الأمن والأمان والسلام، حيث المحبة المجمتعية
تشع وتزدهر فيه روح التسامح والتآلف والتعايش، كما كنّا بالأمس. فيما
مضى، لم يكن الجار يهمّه أن يعلم الهوية الدينية أو الإثنية أو
المذهبية لجاره، لأنهم يتشاركون معًا حياة إنسانية حُبية تعاضدية،
تغنيهم عن السؤال عن هذه الخصوصيات الفردية، التي ليست الأساس في حياة
الفرد والمجتمع الموحد والمتماسك على السواء. لننظر إلى المجتمعات
المختلفة الأديان والإثنيات التي تعيش في دول متحضرة، فقد تجاوزا هذه
الفقرات غير المجدية التي تثير الحساسيات وصارت من الماضي. كفانا النظر
إلى الماضي، فالماضي أيضًا له همومه. لنغرف منه فقط، ما يمكن أن يخدم
تطور البلاد ويبنيها ويضعها في مصاف الدول المتقدمة، معيدين أمجاد تلك
الحضارات بحزمة من الأعمال التنويرية والتثقيفية والتوعوية التي تواكب
العصرنة. فمن ينظر إلى الماضي على أساس اللحاق به على علاّته، لن يحصد
غير الخيبة والتخلّف والتحجّر في الفكر والفعل. ولنحتكم إلى الحاضر
المعاش، لنرسي منه وبه، دعائم مستقبل زاهر، متطور بمجمتعه وبأهله
وبقادته في ظلّ هذه الخبرة الحضارية الطويلة.
لقد
كرّس الدستور العراقي حكم البلاد ووضعها بين أيدي مثلث سياسي- إثني
متحيّز، وهذا الثلاثي قد نصّب نفسه وصيًا على باقي المكوّنات قليلة
العدد، أي الأقليات، رغم أصالتها في الوطن وكفاءتها التي قد تفوق كفاءة
بعض القائمين على الحكم. إن أبناء هذه المكونات قليلة العدد، أي
الأقليات، لا يسمعون اليوم غير تصريحات رنانة تدّعي تمتع جميع
المواطنين بالحقوق التي كفلها الدستور، إلاّ أن الواقع المعاش يقول
بغير ذلك. فالانتماء لحزب دبني أو سياسي أو لكتلة، ما وكذا القربى
والمحسوبية، في يومنا هذا، أصبح هو المفتاح للحصول على جاه وإنعامٍ ولا
شئء غيرتلك الشروط ينفع، كالكفاءة والعلم وحسن السلوك والسيرة. وهذا
يعني تكرار أخطاء النظام الدكتاتوري السابق وعدم الاتعاظ من دروس
الماضي الجريح.
إن ما اضعف مؤسسات الدولة العراقية بعد 2003، هو
السلوك الخاطئ للقوى الدينية والأحزاب السياسية التي تدخلت في كلّ شيء
لصالحها، ولم تبقي لغيرها شيئًا، لكونها ادّعت أحقيتها المطلقة بالسلطة
والجاه والمال بسبب ادّعائها المظلومية أيام النظام السابق لوحدها،
والحال أن جميع الشعب كان يعاني الظلم عينه إلاّ فئة قليلة. فكم وكم
ممّن وصلوا إلى مواقع وظيفية متقدمة، كانوا من المزوّرين للوصول إلى
مبتغاهم وبدعم من القائمين على السلطة، ولم يتم لغاية الساعة، محاسبة
هؤلاء بسبب تدخلات الأحزاب والجهات الدينية المتنفذة لصالح المزوّرين
والفاسدين، في حين ظلّ الكثيرون ومنهم أبناء الأقليات خارج هذه
الاستحقاقات الوظيفية، لعدم وجود من يلبي نداءاتها ويسمع تشكياتها
المتواصلة من التحيّز الحاصل ضدّها في وسائل المشاركة الطبيعية في
الجياة العامة، ومنها في العملية السياسية. ونحن نعتقد، أن هذه
الممارسات لا تقلّ في ضررها على الوطن والمجتمع عن الأعمال الإرهابية
التي طالت وتطال كافة فئات الشعب ومنهم الأقليات، والتي يتم تنفيذها في
الغالب باسم الله تعالى، جاعلين من الله جلّ
شنهبحانه
شأنه، راعيًا للإرهاب والإرهابيين.
لنكن، كلٌّ من موقعه، داعية سلام وبناء ومحبة،
ننشد وحدة العراق وازدهاره وسموّه فوق كلّ أشكال
التمييز
والذلّ والقهر والظلم والفساد. التخريب عملٌ سهلٌ، تنزع له النفس
الأمّارة بالسوء دومًا، لكن البناء صعبٌ يستدعي رصّ الصفوف وشيئًا من
الالتزام الخلقي والمجتمعي تجاه الغير، أيًّا كان نوعه أو عرقه أو دينه
أو جنسه أو لونه أو مذهبه أولغته. إن المجتمع الواعي بمثقفيه وعقلائه
وعلمائه، له القدرة بالتأكيد، على معالجة مواقع الخلل ومكامن الضرر وكل
ثغرة تنشأ عن الحكم غير الرشيد. فمن يقبل النصيحة، يجازيه الله خيرًا،
ومن ينصح بالخير والمودة وحسن الفعال، يجازيه أضعافًا، ومن ينكر هذه
وتلك، مصيره البكاء وصريف الأسنان، ولا مكان له في جنات الخلد حين يفتح
الكتاب ويُقرأ الحساب.
تمنياتي لجميع العراقيين، بالخير والسؤدد ودوام التقدم في ظلّ
عراق فدرالي، موحد، زاهر، قوي، مستقرّ ينعم بالسلام والمحبة وبالأمل
والرجاء الذي لا يخيب.
الاقليات وجدلية ما بعد 2003 .
- محمد الشبكي
ان المحاصصة وأثارها السلبية على
سياسة الحكومة والشعب لها انعكاسات سلبية ذو ثلاث ابعاد .
البعد الاول : ينعكس سلبا
على هيكلية الدولة .
البعد الثاني: إعادة بناء
الامة .
البعد الثالث: إرساء الاستقرار .
حيث ان الصراع على السلطة
سيرمي بظلاله على هذه الابعاد ومن ثم سنتهار الدولة ومع ان العراق خطا
خطوات كبيرة نحو إرساء الديمقراطية من خلال الانتخابات الحرة الا إن
النزاع قائم حيث ان الهوية الطائفية والاثنية هي السائدة ولذا فان
المكونات الصغيرة هي من تدفع الثمن دائما الا اذا ذابت في هوية مكون
أخر يضمن لها الحماية والانخراط في العملية السياسية لكن حتى هذا الامر
يتسبب بدفع اثمان باهظة على حساب تدفعها المكونات الصغيرة من طمس
للهوية وتغييب للموروثات. ولذلك فان على الدستور كفالة الأقليات دون اي
مقابل من خلال قراءة جديدة لحقوق الأقليات العراقية وإشراكها في
العملية السياسية.
المكونات
والتعايش السلمي وحقوق الانسان
طالب نوروز .
ان حقوق الانسان والتعايش
السلمي ونبذ العنف والتنوع الثقافي يشغل الان الفكر العالمي شعوبا
وحكومات في وقتنا الحاضر اكثر من اي وقت مضى .
فعملية التنوع الثقافي
والاجتماعي تهتم بوجود الانسان وحريته وكرامته وحقه في الحياة وهي
ثوابت وجودية جوهرية على اساسها قامت وتقوم معالم التواجد البشري في
اطار العيش بسلام وحرية مع كافة ابناء الشعب بدون اي تمييز على اساس
الجنس والعرق والمعتقد .
بسبب تولي حكومة هوجاء غير
مسؤولة ادارة البلاد وعلى مدى عقود من الزمن الغابر فقد تكبل شعبنا
بالعديد من السياسات المقيدة للحرية والعيش بسلام والتي بالغت
بالاضطهاد وشكلت ليالي مظلمة دامية يندى لها الجبين . ونحن اليوم بحاجة
الى ترميم البناء الانساني الذي يعتمد على المفاهيم والمبادى التي نصت
عليها المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الانسان .
تهميش الاقليات في المناهج التربوية
فاتن غانم جميل
ان المناهج الدراسية الثلاق
الابتدائية والمتوسطة والاعدادية تكاد تكون خالية من المعلومات
التاريخية والادربية عن المكونات العراقية ولم تهتم بجانب التثقيف
للتعايش السلمي ملبين جميع هذه المكونات اضافة الى ان الاندماج
المجتمعي بين المكونات يكاد يكون معدوما فبما ان الاقليات ذات نسمات
قليلة فمن المفترض ادماجها في وضائف الدولة المهمة والوزارات للحيلولة
دون اقصائهم وتهميشهم كذلك يجب تعديل المناهج الدراسية وتسليط الضوء
على هذه المكونات قليلة النسمة وابراز دورها الحضاري والتاريخي
والسياسي والثقافي على حد سواء .
|