::::: الموصل مدينة رعب للأقليات عادل كمال (نقاش)  :::::

 

قبل أيام معدودة على إطلاق عملية أم الربيعين الأمنية في الموصل، وفي الأول من أيار (مايو) 2008 بالتحديد، دخل أربعة ملثمين زحام سوق حي الجزائر وسط الموصل في وضح النهار، وأفرغوا عشرين رصاصة في جسد أحد قاطني الحي.
السوق وفي ثواني معدودة خلا من المارّة، وقبل أن تصل سيارات الشرطة إلى المكان، كان احد المسلحين قد نقل رسالة صوتية سمعها أصحاب المحلات القريبة المختبئين: "هذا مصير كل شبكي يسكن في الموصل".
هذه الحادثة لم تكن سوى جزء من مسلسل صار يتكرر يوميا في المدينة المتعددة الطوائف والأعراق، بالرغم من استمرار القوات الحكومية في عملية "أم الربيعين" إلى الآن. ففي الأول من أيار مايو من العام الحالي تعرض موكب نقل يضم طلبة جامعة الموصل المسيحيين الذين يقطنون في قضاء الحمدانية كبرى المدن المسيحية في محافظة نينوى إلى هجوم بعبوات ناسفة بالقرب من إحدى نقاط التفتيش، وكانت الحصيلة سقوط قتيلين من الطلاب المسيحيين وأكثر من مئة وخمسين جريح.
بعدها بأيام، وفي 11 أيار مايو الماضي "اقتحم مسلحون ملثمون منزلا يعود لأحد عناصر الجيش العراقي من المكون الشبكي، في منطقة حي الجزائر وسط الموصل، وقتلوا شقيقته التي تبلغ من العمر 18 سنة، وأصابوا شقيقه بجروح خطرة" وفق ما صرحت به شرطة المدينة.
ولم تسلم من هذه العمليات منازل المسيحيين و الأكراد و اليزيديين و التركمان و الشبك أو غيرها من المكونات الصغيرة التي تقطن المدينة. وغالباً ما تظهر عصابات المسلحين وتختفي دون أن تلمحهم أعين قوات الشرطة أو الجيش المنتشرة بكثافة في مناطق وأحياء وشوارع وأسواق مدينة الموصل.
شقيق أحد المستهدفين من القومية الكاكية -وهي قومية صغيرة- طلب عدم ذكر اسمه قال لموقع "نقاش" إن "استهداف الأقليات في نينوى لا تنفذه جهة واحدة، وتنظيم القاعدة ليس الخطر الوحيد الذي يلاحق الأقليات الدينية والعرقية". فالأمر حسب رأيه "مرتبط بأجندات تنفذها مختلف الفصائل والجهات المسلحة بعضها يرتبط بدول مجاورة للعراق، والأخرى بقوى سياسية كبيرة ومتنفذة في البلاد".
الرجل الذي فقد أخاه قبل أكثر من عام في تفجير انتحاري يبدو واثقا أيضا من تورط عناصر من القوات الأمنية في هذه العمليات "فالأسلوب العلني الذي تنفذ به تشير بوضوح تام إلى تورطهم أو تواطؤهم على الأقل".

ويحذر المراقبون السياسيون وزعماء الأقليات من أن مدينة الموصل ومنذ 2003، تفرغ من أقلياتها الدينية والعرقية بشكل تدريجي، دون أن تتمكن العمليات الأمنية الواسعة التي تجرى هناك في أوقات متباعدة، من سد فوهات البنادق.
فمع بداية عام 2005 وتعرض اليزيديين إلى القتل والخطف والتهجير المنظم من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، لم يبق يزيدي واحد في المدينة. وقد تركزت هجرة اليزيدية إلى مناطق تواجد أبناء جلدتهم في قضاء سنجار غرب نينوى، أو شمالها في قضاء الشيخان، أو ناحية بعشيقة، أو القرى المحيطة بناحية القوش.
الأكراد كانوا المرحلة التالية في حملات الاستهداف، فقتل منهم نحو ألفي شخص منذ عام 2003، وعشرات الألوف غادروا الموصل باتجاه مدن كردستان.
ومع الدخول في عام 2006، ووصول طلائع المهجرين السنة من باقي مدن العراق إلى الموصل في أعقاب تفجير المراقد في مدينة سامراء، واشتعال الحرب الطائفية، بدأت حملة تصفية تجاه الشبك الذين يصل عددهم في عموم المحافظة إلى 450 ألف نسمة، يشكل الشيعة منهم نحو الثلثين.
فقتل نحو ألف شبكي في مركز المدينة وحدها، وفجرت منازل ومحلات الكثيرين منهم، وأجبر الآخرون على الهجرة، ليتجه معظمهم إلى أكثر من خمسة وستين قرية للشبك في شمال وشرق نينوى.
واستهدف المسجد الوحيد للشيعة في مدينة الموصل، والكائن في منطقة الفيصلية، وقتل إمام المسجد وأحد أبنائه بعبوة ناسفة.
ووصل الأمر إلى نصب المسلحين نقاط تفتيش في مداخل مدينة الموصل، وكان القتل يجري على الهوية، لان الأسماء تدل على القوميات فعلى سبيل المثال "خديده" لايتسمى به إلا اليزيدي، و"هفال" كردي، و "جورج" مسيحي وهكذا.
في هذه الإثناء استهدفت كنائس، ومواطنون مسيحيون قتلوا، ومع تفجر الوضع في تلعفر اكبر أقضية العراق، والتي يقطنها التركمان المنقسمين سنة وشيعة، بدأت حملة ضد المتواجدين منهم في الموصل، ليلتحقوا بمن سبقهم من الشبك والأكراد في أكبر هجرة جماعية يشهدها تاريخ الموصل، التي أصبحت خالية تقريباً إلا من العرب السنة.
أحمد ربيع وهو صحفي مراقب لأوضاع الأقليات في المدينة قال لموقع "نقاش" أنه "ورغم الاستهداف المعلن من قبل القاعدة للمسيحيين في الموصل، إلا أن الكثير من العائلات ظلت باقية في منازلها، في أحياء النور والمهندسين والزراعي والساعة والزهور والدواسة، لكنها حذرة في العادة ومدارسهم تحظى بحراسات مشددة، لكن معظم أبنائهم من طلاب جامعة الموصل تركوا مقاعد الدراسة".
المتجول الآن في شوارع يلحظ أن الأزياء الشعبية اختفت نسبيا من المدينة، فحتى لو غامر كردي أو يزيدي بالدخول إلى مدينة الموصل أو تجول فيها، فإنه يتجنب ارتداء الزي الشعبي المعروف بأي منهما، لأنه سيؤدي إلى قتل صاحبه، باستثناء الزي العربي، الذي ظل حاضراً وبكثافة أكبر من ذي قبل، نظرا لهجرة الريف العربي الكثيفة إلى داخل مدينة الموصل في العقدين الماضيين.
ويشير ربيع إلى أن من تبقى من الشبك المتركزين في حي الكرامة وكراج الشمال والنور وحي الجزائر ومنطقة النبي يونس وكلها أحياء في الجانب الأيسر لمدينة الموصل "معظمهم يرتدي الزي العربي (الدشداشة)، وكذلك الحال مع التركمان المنتشرين في ذات المناطق تقريباً".

أما بخصوص الأكراد الباقين في الموصل، فهم أولئك الذين ليست لهم ارتباطات بإقليم كردستان سياسية أو إدارية أو عسكرية، "فالكثير من الكرد قتلوا لمجرد أن لديهم عم أو ابن خال ضابط في البشمركة أو مسؤول في إحدى مدن إقليم كردستان" يقول ربيع.
وفي أعقاب استهداف حافلتين تقلان طلاباً مسيحيين قادمين من قضاء الحمدانية كبرى المدن المسيحية في نينوى إلى جامعة الموصل، طالب محافظ نينوى أثيل النجيفي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوربي، بإجراء تحقيق دولي لما تتعرض له القوميات في نينوى من عمليات تهجير وقتل منظم.
ويتهم النجيفي قيادة عمليات نينوى، المرتبطة بشكل مباشر برئيس الوزراء نوري المالكي، بعدم التعاون مع الحكومة المحلية، رغم المطالبة المستمرة في إشراكها بالخطط الأمنية، وقال بأن "السبب في عدم تحرك الحكومة المركزية إزاء مايحدث باستمرار في الموصل، هي التقارير غير الدقيقة التي ترفعها أجهزة الاستخبارات عن الوضع على الأرض".
وانتقد المحافظ إجراءات التحقيق الجنائي واصفاً إياها بـ "الضعيفة"، بسبب أن من يقوم بها في العادة ضباط في الجيش "لا يمتلكون خبرة علمية في التحقيق".
كثيرون في نينوى، يتهمون الحكومة المحلية والمركزية بالتعاطف مع المسيحيين دونا عن القوميات الأخرى، ويشيرون إلى أن البيانات الرسمية المنددة تصدر، والعمليات الأمنية تنفذ حال وقوع أي اعتداء على أي مسيحي، أو أي كنيسة، بينما يموت العشرات من الأكراد والشبك والتركمان واليزيدية، ويهجرون علنا، دون أن تلق تلك العمليات المستوى نفسه من التنديد.
هؤلاء وبينهم نائب في البرلمان رفض ذكر اسمه، وكذلك الكاتب الشبكي شاكر محمود أشاروا في تصريحات لـ "نقاش"، إلى أمثلة تدعم اتهاماتهم ومنها انفجار أربع سيارات مفخخة في منطقة القحطانية غرب الموصل، فقتلت المئات من اليزديين مع تهديم العشرات من المنازل، وكان هذا قبل ثلاث أعوام.
وفي العام الماضي حصلت تفجيرات في قرية السادة ذات الأغلبية الشبكية الشيعية شمال الموصل، قتلت وأصابت العشرات من السكان، وبعدها بساعات تفجيرات أودت بحياة العشرات من التركمان في قرية القبة شمال الموصل أيضاً، مع حوادث اغتيال فردية يومية لمواطني هذه الأقليات في الموصل، "تقابل بصمت رسمي مطبق" حسب محمود الذي أضاف قائلا "إن الإعلام والسياسيين ينتفضون مع أي عمل إجرامي يستهدف أي مسيحي".
والسبب برأي الكاتب الشبكي هو "امتلاك المسيحيين ورغم أنهم الأقل من حيث العدد عمقاً دولياً، يضغط باستمرار على الحكومتين المركزية والمحلية، في حين أن باقي الأقليات يسكت عما يجري ضدها، أو إن ردة الفعل تكون ضعيفة أو غير متوافقة مع حجم الاعتداء الواقع والضرر الناجم عنه".
ويحذر كتاب ومراقبون سياسيون من بينهم الكاتب شاكر محمود وحمزة حماد من أن مدينتهم الموصل "باتت مدينة رعب بالنسبة للأقليات" وأن المكونات الصغيرة قد غادرت المدينة وقد تغادر أطرافها إذا ما استمرت أعمال العنف على ما هي عليه مطالبين "بتنسيق أمني أكبر بين الحكومة المحلية والحكومة المركزية" كي لا تبق الموصل "بلون واحد فقط".
                                      

[GO BACK]